
المهدي: إمام آخر الزمان
المهدي (المُهدى إلى الصواب) في عقيدة السنّة رجلٌ صالحٌ من ذرّية النبيّ ﷺ بفاطمة يظهر في آخر الزمان. تُبايَع له في مكّة ويُعيد العدل إلى أرضٍ مُلِئت جورًا ويحكم سنين (سبعًا أو سبعًا إلى تسعًا). والجدير بالذكر أنه لا يعلم بنفسه أنه مهديٌّ بل الله يُهيّئه ويُلهمه ليلةً واحدة. ظهوره مقترنٌ بنزول عيسى ومواجهة الدجّال والثلاثة معًا في عصرٍ واحد وعيسى يصلّي خلفه. ويلتفّ حوله صحابةٌ نُخبةٌ بعدد أهل بدر (313) يجمعهم الله دون تواطؤ. ويشهد عصره وقائع كبرى في الشام والعراق وفلسطين وفتح القسطنطينيّة. وهو حدثٌ محوريٌّ في أشراط الساعة الكبرى.
سلالته - من آل بيت النبيّ ﷺ من ذرّية فاطمة. روت أمّ سلمة: «المهديّ من عترتي من ولد فاطمة» (أبو داود - صحّحه الألباني).
اسمه - اسمه واسم أبيه كاسم النبيّ ﷺ واسم أبيه: محمد بن عبد الله. عن ابن مسعود: «يَلي رجلٌ من أهلي يواطئ اسمه اسمي» (أبو داود والترمذي وأحمد).
صفته - يصفه الحديث بالجبهة العريضة والأنف الدقيق الأقنى (أبو سعيد الخدري عند أبي داود).
كيف يظهر - بعد موت إمامٍ تقع فتنة فيهرب رجلٌ من المدينة إلى مكّة فيُبايَعه الناس رغمًا عنه بين الركن والمقام في المسجد الحرام (حديث أمّ سلمة الكبير عند أبي داود).
الجيش الذي يُخسَف به - من أعجب الأشراط حديثٌ صحيح عن عائشة (البخاري ومسلم): يقصد جيشٌ مكّة فإذا بلغ البيداء (صحراء بين مكّة والمدينة) خُسِف بهم. سألت عائشة النبيّ ﷺ: كيف يُخسَف بهم جميعًا ومنهم المكره؟ قال: «يُخسَف بهم جميعًا ثم يُبعثون على نيّاتهم» - درسٌ عميق: الأرض تأخذهم معًا لكنّ الله يحكم على كلٍّ بحسب قلبه. ورؤية هذه الآية تجعل الناس يبايعون المهديّ.
الرايات السود من خراسان - تذكر أحاديث جيشًا قادمًا من المشرق يحمل رايات سودًا يسير لنصرة هذه القضيّة. ورواية ثوبان: «إن رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوًا على الثلج فإنّ فيها خليفة الله المهديّ». ورواية الترمذي أنّ الرايات السود تخرج من خراسان فلا يردّها شيء حتى تُنصَب بإيلياء (القدس). وخراسان منطقةٌ تاريخيّة واسعة (شرق إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى).
درجة هذا الحديث - بيانٌ في علم الحديث يستحقّ الذكر. أسانيد «الرايات السود» مأخوذةً منفردةً بعضها ضعيف. لكن في علم الحديث قد يرتقي الحديث الضعيف إذا جاء من طرقٍ مستقلّةٍ متعدّدة تتعاضد: يُسمَّى «حسنًا لغيره». وهو مبدأٌ معتمَد يُطبّقه عددٌ من العلماء على هذا الحديث معتبرين أنّ مجموع طرقه يرفعه إلى درجةٍ مقبولة. غير أنّ هذا التطبيق ليس إجماعًا: علماءٌ آخرون يرون بعض طرقه أشدّ ضعفًا من أن تتعاضد. فيعرض الموقع الحديث ويشرح المبدأ الذي يرفع درجته ويُنبّه إلى أنّ توثيقه لا يزال محلّ نقاش - كي يملك القارئ العناصر دون أن نبتّ عنه. أمّا صميم أحاديث المهديّ (ذرّية فاطمة، الاسم، إعادة العدل، البيعة في مكّة، الصلة بعيسى والدجّال) فيرتكز على أسسٍ أمتن.
صحابته - يلتفّ حوله رجالٌ نُخبة. تقول الأحاديث إنّهم «على عدد أهل بدر» أي 313 بالضبط وهو عددٌ تاريخيٌّ ثابت. وحديثٌ يصف عجيبة: يجمع الله حوله «رجالًا من أقطار الأرض كما يُجمَع قَزَعُ الخريف» من غير تنسيقٍ سابق. وُصِفوا بالشجاعة والثبات.
عمله - يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلِئت ظلمًا وجورًا ويحكم بالسنّة.
مدّته - يمكث سبع سنين (أو سبعًا إلى تسعٍ في روايات أخرى) ثم يموت ويُصلّي المسلمون عليه.
الله يُهيّئه ليلةً واحدة - سمةٌ جوهريّة: المهديّ لا يعلم بنفسه أنه مُرشَّح. الله يختاره ويُؤهّله فجأةً. عن عليٍّ قال النبيّ ﷺ: «المهديّ منّا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة» (أحمد وابن ماجه - صحّحه الألباني). يعني ابن كثير بهذا: يُقوِّمه الله ويُلهمه ويهديه فيُؤتيه العلم والكفاءة في ليلةٍ واحدة لم يكن مستعدًّا لها قبل ذلك. فهو لا يطلب هذا المنصب بل يتلقّاه من الله رغمًا عنه.
مع عيسى وضدّ الدجّال - ظهوره مقترنٌ بنزول عيسى ومواجهة الدجّال والثلاثة في عصرٍ واحد. والتسلسل كما تذكره الأحاديث السنّيّة مذهل: بينما المسلمون المهدَّدون بالدجّال يُعِدّون أنفسهم لصلاة الفجر ينزل عيسى من السماء (عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق وفق حديث النوّاس بن سمعان عند مسلم). فيدعوه المهديّ إمامًا لهم: «تقدَّم فصلِّ بنا». لكنّ عيسى يأبى إكرامًا لهذه الأمّة: «لا إنّه لم يُهِن الله هذه الأمّة» وفي رواية: «بعضُكم على بعضٍ أمراء كرامةٌ أكرم الله بها هذه الأمّة» (حديث جابر عند مسلم). فيؤمّهم المهديّ وعيسى يصلّي خلفه - نبيٌّ من أنبياء الله يصلّي خلف رجلٍ من أمّة محمد ﷺ شرفٌ عظيم. ثم تُفتَح الأبواب وبالخارج الدجّال مع أتباعه فما إن رآه عيسى ذاب «كما يذوب الملح في الماء». يُطارَد ويُقتَل على يد عيسى عند باب لدّ (اللدّ بفلسطين). ونهاية أكبر الفتن وانتصار الحقّ.
المعارك الكبرى (الملاحم) - يوم المهديّ يوم معاركٍ ضخمة لا يومَ إنسانٍ منفرد. تصفها الأحاديث الصحيحة: الملحمة الكبرى مع الروم (أبو هريرة عند مسلم) ينزلون دابق أو الأعماق (شمال سوريا) فيخرج إليهم جيش مسلمٌ فيه «خيار الناس». وحديث عوف بن مالك (أبو داود) يذكرهم تحت «ثمانين رايةً تحت كلّ رايةٍ اثنا عشر ألفًا» أي ما يقارب المليون من الجانب الآخر. ثلثٌ يفرّ وثلثٌ يُستشهَد خيارٌ عند الله وثلثٌ يُحقّق الانتصار. قلب المسلمين في دمشق: حديثٌ صحيح (أبو داود) يُحدّد منزل المسلمين يوم الملحمة في الغوطة من دمشق. ثم فتح القسطنطينيّة بعد الملحمة: سبعون ألفًا يفتحونها دون قتال بالتكبير والتهليل فتنهار أسوارها. وفي هذه المعارك يقع المهديّ وعيسى والدجّال في عصرٍ واحد.
ضمن أشراط الساعة الكبرى - تندرج حقبة المهديّ وعيسى والدجّال في الاضطرابات الكبرى للآخر الزمان. ويذكر حديث حذيفة بن أسيد (مسلم) عشرة أشراطٍ كبرى منها ثلاثة خسوفات (خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب) تُحيط بهذه الحقبة الفاصلة.
المهديّ غير مذكورٍ في القرآن: مصدره السنّة وحدها. والموقف الغالب عند علماء السنّة أنّ عددًا كافيًا من الأحاديث فيه صحيحة - وبعضهم يتكلّم عن تواترٍ معنويّ - وأنّ الإيمان بظهوره من التقليد السنّيّ. وهذا الموقف السنّيّ هو ما يعرضه الموقع. تنبيهان منهجيّان لا يُقلِّلان من شأن الحدث: - ليس كلّ التفاصيل بدرجةٍ واحدة. الصميم (ذرّية فاطمة والاسم وإعادة العدل والبيعة في مكّة والصلة بعيسى والدجّال) يرتكز على أحاديث متينة. وبعض التفاصيل كالرايات السود من خراسان من أحاديث خُلِف في توثيقها: ضعيفةٌ في بعض أسانيدها لكنّ علماء عدّة يرفعونها بتعاضد طرقها (حسن لغيره). ويشرح الموقع هذه النقطة بدل أن يبتّ. - الأحاديث تُعطي علاماتٍ لمعرفة المهديّ حين يظهر لا لتحديده مسبقًا ولا لتثبيت تاريخ. وعبر التاريخ ادّعى كثيرون المهديويّة (في السودان والمغرب وفي مكّة عام 1979...) وتبيّن كذب كلّ ادّعاء. ولا يدعم الموقع أيَّ تحديدٍ لشخصٍ ولا تاريخ.
المهديّ وعدٌ بالأمل: الظلم مهما طغى لن يدوم والله سيُعيد العدل. لكنّ الدرس الحقيقيّ ليس في الانتظار السلبيّ لمنقذ: بل الدعوة إلى العمل لأجل العدل منذ الآن والاستعداد الروحيّ بدل التكهّن في تواريخ وأسماء. الحقّ سينتصر بإذن الله.