
الذي عيَّر النبيّ ﷺ بأنه أبتر
العاص بن وائل وجيهٌ مكّيٌّ معادٍ للنبيّ ﷺ. لمّا مات أحد أبناء النبيّ ﷺ طفلًا عيَّره بأنه «أبتر» - مقطوع النسل. فنزل القرآن بسورة الكوثر يُعزّي النبيّ ﷺ ويردّ الإهانة على صاحبها: العدوّ هو الأبتر.
في جزيرة العرب آنذاك كان فقدان الأبناء الذكور مدعاةً للإهانة: يُظنّ أنّ اسم الرجل وذكراه يموتان معه. فلمّا مات ابنٌ للنبيّ ﷺ رأى فيها أعداؤه فرصةً للطعن.
ويروي التقليد أنّ العاص بن وائل لمّا لقي النبيّ ﷺ وصفه بـ«الأبتر» - لفظٌ يصف دابّةً مقطوعة الذيل ويُكنَّى به عن الرجل المقطوع النسل بلا مستقبل. وكان يقول لسادة قريش: «دعوه فليس إلا رجلًا أبتر ستنقطع ذكراه بموته.»
فجاء الجواب من السماء بسورة الكوثر: يُعزّي الله نبيَّه بالإعلان عن خيرٍ وفيرٍ (الكوثر) ويقلب الإهانة: «إنّ شانئك هو الأبتر.» وأثبت التاريخ ذلك: اسم النبيّ ﷺ يُذكَر بالملايين في كلّ لحظة أمّا مُعيِّروه فلا يُعرَفون إلا بقبح فعلهم.
أمانةٌ في تحديد الهويّة: القرآن لا يُسمّي أحدًا؛ إنما يتكلّم عن «الشانئ» (108:3). والمفسّرون يستندون في السياق إلى الروايات. أكثر الروايات (ابن عبّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة) تُسنِد لفظة «الأبتر» إلى العاص بن وائل. لكنّ روايات أخرى تنسب كلامًا مشابهًا إلى أبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي لهب. فالأرجح أنّ عدّةً من الأعداء قالوا ذلك والعاص أكثرهم ذِكرًا. أمّا القرآن فلا يقصد رجلًا واحدًا بل كلَّ من «يَشنأ» النبيّ ﷺ. والعبرة أجلى من الهويّة.
تُعلّمنا هذه القصّة أنّ الاستهزاء الظالم ينقلب على صاحبه. ظنّ الأعداء أنهم «يقطعون» النبيّ ﷺ عن المستقبل فانقطعت ذاكرتُهم. وتُعلّم أيضًا أنّ النسل الحقيقيّ ليس الدمَ فحسب بل إرث الخير: النبيّ ﷺ يحيا في كلّ قلبٍ يسلك طريقه.
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
108:1
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
108:3