
حين أشبع طعامٌ لأناسٍ قليلين مئاتٍ من الناس
في مناسباتٍ عدّة كانت ببركة النبيّ ﷺ وجبةٌ أُعِدَّت لأفرادٍ قلائل تكفي عشراتٍ أو مئات دون أن ينقص مقدارها. وأشهر هذه الروايات يوم الخندق ويرويها جابر.
يوم الخندق كان الصحابة يحفرون الخندق دفاعًا عن المدينة جياعًا لم يأكل بعضهم أيّامًا. فرأى جابر بن عبد الله جوعَ النبيّ ﷺ فعاد إلى بيته وطلب من زوجته إعداد عَناقٍ وشيءٍ من شعير. ثم جاء يدعو النبيّ ﷺ بصوتٍ خافتٍ هو ورجلٌ أو رجلان لأنّ الطعام لا يتّسع لأكثر.
لكنّ النبيّ ﷺ أعلن على الملأ من الحافرين: «يا جابر قد أعدَّ لكم طعامًا فهلمّوا.» فأخذ جابر الفزعُ: كيف يُطعِم هذا الجمعَ الكثير؟ فجاء النبيّ ﷺ ونفث البركة في العجين وفي القدر ثم أجلس الناس عشرةً عشرة.
فأكل الجميع حتى شبعوا - وكانوا في الرواية نحو ألف نفس - وبقي طعامٌ فضل. والقدر لا تزال تغلي والعجين يتكاثر كأنّ أحدًا لم يأخذ منه شيئًا. وختم جابر: «هذه لعمري من آيات النبيّ ﷺ.»
هذه المعجزة نموذجٌ جيّد على الرواية المتينة: - واردةٌ في البخاري ومسلم معًا - أعلى مرجعَين في الصحّة. - نقلها صحابةٌ مستقلّون (جابر في قصّة الخندق وأنس في مناسباتٍ أخرى مشابهة) ممّا يزيدها رسوخًا. صدًى لافت: هذا النوع من المعجزات - الطعام يتضاعف - يستذكر المائدة التي طلبها حواريّو عيسى (القرآن 5:114). ومعجزات الأنبياء كثيرًا ما تتصادى عبر العصور دليلًا على وحدة المصدر. ولا يُخلَط هذا الحديث المتين بالروايات الشعبيّة الكثيرة في «معجزات» تدور بلا سندٍ موثوق. هنا متانة المصدر هي ما يُبيح الكلام بثقة.
تُعلِّمنا هذه المعجزة البركة: النعمة الإلهيّة تجعل القليل يكفي. وتُعلِّمنا كذلك سخاء جابر المستعدّ لتقاسم ما يملك والثقة: بالعطاء لا بالكنز تنتشر البركة. والمشاركة تجلب الوفرة والبخل يحبسها.