
الحكيم الذي صدَّق أوّل وحي
ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة رجلٌ شيخٌ مسيحيٌّ مكّيٌّ عالِمٌ بالكتب. لمّا أُنزِل الوحي أوّل مرّة على النبيّ ﷺ وزلزله هوله حمله ورقةُ وعرف في ما يصفه الملَكَ الذي جاء موسى وبشَّر ببداية النبوّة.
بعد الوحي الأوّل في غار حراء عاد النبيّ ﷺ وجيبٌ يتزلزل يخشى على نفسه. فطمأنته خديجةُ ثم ذهبت به إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل.
كان ورقةُ شيخًا كبيرًا قد ذهب بصره وكان قد تنصَّر في الجاهليّة وكان يكتب الكتاب العبرانيّ. فقالت له خديجة: «يا ابن عمّ اسمع من ابن أخيك.» فقصَّ عليه النبيّ ﷺ ما رأى.
فعرف ورقةُ الأمر فورًا: «هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى.» ثم أضاف: «يا ليتني فيها جذعًا يا ليتني أكون حيًّا إذ يُخرِجك قومك.» فسأل النبيّ ﷺ متعجّبًا: «أوَمُخرِجيَّ هم؟» فأجاب ورقة: «نعم لم يأتِ رجلٌ قطّ بمثل ما جئت به إلا عُودي وإن يُدرِكني يومك أنصرك نصرًا مُؤزَّرًا.»
لكنّ ورقةَ توفّي بُعيد ذلك في فجر الوحي ولم يرَ ما تلا. وعائشة هي التي روت هذا الحديث الصحيح.
هذه الرواية تُتيح مقارنةً مضيئة مع رواية بحيرى: - رواية ورقة في حديثٍ صحيح (صحيح البخاري) عن عائشة. سندها متين. وهذا مستوًى رفيع في الثبوت. - رواية بحيرى بالمقابل من السيرة (ابن إسحاق وابن سعد والطبريّ) مع اختلافاتٍ وسندٍ أقلّ تحكّمًا. شخصيّتان دورهما متقاربٌ (التعرّف على علامات النبيّ ﷺ) لكنّ مستوى ثبوتهما مختلف. وفي معرفة المصدر الفائدة: يُخبرنا بدرجة الثقة التي ينبغي إعطاؤها للرواية. «رواه البخاري» و«ذكرته السيرة» ليسا سواء.
يُعلّمنا ورقةُ أنّ الحقيقة يستطيع القلبُ الصادق أن يتعرّف عليها ولو كان في آخر عمره وعلى أعتاب الرحيل. ودعمه الفوريّ للنبيّ ﷺ وهو من تقليدٍ آخر يُبيِّن أنّ الإيمان السليم يعرف الإيمان السليم. وقصّته المثبَتة بمصدرٍ موثوق تُذكِّر بأهمّية الاتّكاء على أسانيد راسخة.