
الراهب الذي تعرّف على النبيّ طفلًا
بحيرى راهبٌ مسيحيٌّ مُقيمٌ قرب بصرى بالشام. وفق رواية السيرة تعرَّف في الفتى محمد ﷺ - وكان في نحو العاشرة يرافق عمَّه أبا طالب في رحلةٍ تجاريّة - على علامات النبيّ المبشَّر به في الكتب ومنها خاتم النبوّة بين كتفيه.
تروي السيرة أنّ أبا طالب أخذ ابن أخيه محمدًا ﷺ وهو طفلٌ في رحلةٍ تجاريّة نحو الشام. وقرب بصرى كان يسكن راهبٌ مسيحيٌّ يُسمَّى بحيرى في صومعته. وكان لا يُبالي عادةً بالقوافل المكّيّة المارّة. فهذه المرّة دعاها إلى طعام.
وتذكر الرواية أنّ بحيرى لاحظ أشياء: غمامةٌ تظلّل الطفل وأغصانٌ تتمايل نحوه. فتأمَّل الفتى محمدًا ﷺ طويلًا وسأله فوجد إجاباته توافق ما يعرفه من الكتب. ثم فحص ظهره فرأى خاتم النبوّة بين الكتفين.
وسأل أبا طالب عن صلته بالطفل. فلمّا قال «هذا ابني» استنكر بحيرى: كتبه تقول إنّ أبا النبيّ القادم يجب أن يكون قد مات. فاعترف أبو طالب بأنه عمّه وأنّ أباه مات قبل ولادته. فأوصاه بحيرى وصيّةً جادّة بحمايته من الأذى لأنّ مستقبلًا عظيمًا ينتظره.
هذه الرواية نموذجٌ على نقطةٍ مهمّة في علم الحديث يحرص الموقع على توضيحها: - الرواية منقولةٌ عبر طرقٍ عدّة (ابن إسحاق وابن سعد والطبريّ) مع اختلافات. وبعض العلماء يرى أنّ تعدّد الطرق يُعزِّز الرواية (مبدأ الحسن لغيره: الضعيف يرتقي بكثرة طرقه المستقلّة). وآخرون يتوقّفون لأنّ هذه الطرق قد ترجع كلّها إلى ابن إسحاق فلا يكون ثمّة تعزيزٌ حقيقيٌّ بطرقٍ مستقلّة. - رواية الطبريّ لا تعني التوثيق. فالطبريّ مؤرّخٌ رصين جمع الروايات بأسانيدها عمدًا تاركًا للقارئ تقييمها. فجِدّته بوصفه مؤلِّفًا لا تُساوي تصحيح كلّ رواية. - التقدير الدقيق لدرجة الرواية (ضعيفة أم حسنة) شأنٌ للمتخصّص في علم الحديث. يعرض الموقع الرواية لمكانتها في السيرة دون الحكم على درجتها.
بعيدًا عن النقاش في الإسناد تحمل الرواية موضوعًا عزيزًا في التقليد: البشارة بالنبيّ ﷺ في الكتب السابقة وتعرُّف رجلٍ صادق القلب من دينٍ آخر على علاماته. وتدعو أيضًا إلى الحذر والتمييز في الروايات: معرفة مصدر الخبر قبل الجزم به.