
مؤسّس المذهب الشافعيّ الحلقة المحوريّة (767-820)
الشافعيّ ثالث الأئمّة الكبار وحلقة الوصل بين الجميع. تتلمّذ مباشرةً على مالك ودرس على تلامذة أبي حنيفة ثم كان بدوره شيخَ أحمد بن حنبل. ومؤسِّس علم أصول الفقه.
وُلِد بغزّة سنة 767 يتيمًا فنقلته أمّه طفلًا إلى مكّة. حفظ القرآن صغيرًا ثم حفظ الموطّأ عن ظهر قلب. ثم رحل إلى المدينة يتتلمّذ على مالكٍ نفسه فلازمه سنواتٍ طويلة.
وعمَّق أيضًا مذهب أبي حنيفة على يد تلميذَيه محمد الشيبانيّ وأبي يوسف. فجمع الشافعيُّ في ذاته التيّارَين الكبيرَين: مدرسة الحديث (المدينة ومالك) ومدرسة الرأي المُعلَّل (الكوفة وأبو حنيفة). ومذهبه أراد أن يكون توازنًا بينهما.
وكان جُلُّ ما تركه للعلم تأسيسَ قواعد المنهج الفقهيّ ذاته: كيف تُستنبَط الأحكام من القرآن والسنّة والإجماع والقياس. وهي علم أصول الفقه الذي يُعدّ مؤسِّسه. وبمكّة ثم بمصر علَّم تلامذةً كثيرين أبرزهم أحمد بن حنبل. وتوفّي بمصر سنة 820.
يُجسِّد الشافعيُّ خيرَ دليلٍ على أنّ المذاهب الأربعة ليست معسكراتٍ متنافسة بل سلسلةُ نقل: تتلمّذ على مالك ودرس مذهب أبي حنيفة وكان شيخَ أحمد. والأئمّة كانوا يحترمون بعضهم ويتعلّمون من بعض. وتأسيسه لأصول الفقه هو ما أتاح هيكلة الفكر الفقهيّ الإسلاميّ كلّه: وضع صراحةً تراتبيّة المصادر - القرآن أوّلًا ثم السنّة الصحيحة ثم الإجماع ثم القياس. وهذه الدقّة المنهجيّة أثّرت مباشرةً أو بوساطةٍ في كلّ المذاهب.
يُعلِّمنا الشافعيُّ التوليف: بدل أن يختار جانبًا سعى إلى جمع أفضل المنهجَين. ويذكّر بالتواضع أمام الحقيقة - كان يقول: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصواب.» درسٌ جميلٌ في الاعتدال.