
الحشرة التي كشفت وفاة الملك
لمّا مات سليمان قدّر الله ألّا يعلم أحدٌ من جنٍّ وإنسٍ بموته: فظلّ متّكئًا على عصاه كأنّه يرى. ثم أتت الأرضة تنخر خشب العصا في صمتٍ متواصل حتى سقط الجسد فعلم الجميع أنّ الملك الكبير قد غاب منذ حين. حشرةٌ ضئيلة كشفت ما عجزت الجنّ عن إدراكه.
أعطى الله سليمانَ مُلكًا عظيمًا: الريح في قبضته والنحاس يُسال له والجنّ مسخَّرون ينجزون له أعمالًا جسيمة.
فلمّا حان أجله قضاه الله بطريقةٍ بالغة الدلالة. مات سليمان متّكئًا على عصاه قائمًا. ولم يدرِ أحدٌ: لا الإنسُ ولا خاصّةً الجنّ الذين واصلوا الكدحَ الشاقَّ يحسبون الملك لا يزال حيًّا يراقبهم.
وظلّ ذلك حتى أخذت الأرضة تنخر في عصا سليمان من الداخل بهدوءٍ مستمرّ إلى أن أضعفتها حتى كسرتها. فخرّ الجسد أرضًا وعندها أدرك الجميع أنه قد مات.
ويستخلص القرآن من هذا الحادث درسًا صريحًا: لو كانت الجنّ تعلم الغيب فعلًا كما ادّعى بعضهم لما ظلّوا يشقّون في العمل لملكٍ قد مات من زمن.
قلب هذه القصّة في القرآن دحضٌ: في ذلك العصر كان بعضهم يزعم أنّ الجنّ تعلم الغيب والمستقبل. فيدحض الحادث ذلك بجلاءٍ ساطع إذ لم يدركوا حتى أنّ سيّدهم مات أمام أعينهم. ويُثبّت القرآن بذلك أنّ علم الغيب لله وحده. أمّا التفاصيل الإضافيّة (كم مكث الجسد قائمًا وطبيعة العصا بالضبط) فمن روايات المفسّرين ومتباينة والقرآن يتمحور حول الأساسيّ: الأرضة والسقوط والدرس في الغيب. تنبيهٌ للتفريق: دابّة الأرض هنا (الأرضة) ليست الدابّة الكبرى الموعودة في آخر الزمان. اللفظ العربيّ متشابه لكنّ الحقيقتَين مختلفتان تمامًا.
تُعلّمنا أرضة سليمان التواضع أمام الله: أعظم ملكٍ سخّرت له الريح والجنّ كشفت وفاتَه أصغر حشرة. لا أحد يفرّ من الموت ولا تزن العظمة الدنيويّة شيئًا أمام حكم الله. ويبقى الدرس الأساسيّ: علم الغيب لله وحده.
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ
34:14