
جذع الجريد الذي بكى النبيّ ﷺ لمّا هجره
كان النبيّ ﷺ يخطب مستندًا إلى جذع نخلةٍ في مسجده بالمدينة. فلمّا نُصِب المنبر وتركه تلك الجذع حنَّ وبكى كالكائن الحيّ حتى نزل النبيّ ﷺ فاحتضنه أو مسح عليه حتى سكن. وهي من أمتن المعجزات إسنادًا: نقلها أكثر من عشرة صحابةٍ فبلغت درجة التواتر.
في أوائل عهد المدينة كان المسجد النبويّ بسيط البناء من جذوع النخل وجريده. وحين يخطب النبيّ ﷺ كان يقوم مستندًا إلى أحد هذه الجذوع.
فاقترح عليه صحابيٌّ أن يُنجَر له منبرٌ ذو ثلاث درجاتٍ ليعلو فيسمعه الجميع في خطبة الجمعة. فقَبِل النبيّ ﷺ.
فلمّا علا المنبر وترك الجذع الذي طالما اتّكأ عليه أخذ الجذعُ يحنّ. ويروي جابر بن عبد الله أنّه سُمِع يبكي كالناقة الخَلوج حتى تصدَّع. وفي رواية أخرى حنَّ كحنين الصبيّ. فنزل النبيّ ﷺ وجاء إليه فمسح عليه - وفي روايةٍ احتضنه - حتى سكن «كما يسكت الصبيّ الذي يُعلَّل».
ويُروى أنّ الجذع كان يحنّ إلى ذِكر الله الذي كان يسمعه قرب النبيّ ﷺ. ولمّا أُعيد بناء المسجد أخذه الصحابيّ أُبيّ بن كعب إلى بيته حتى أفنته الأرضة وعاد ترابًا.
هذه الرواية عكسٌ تامٌّ للرواية المشكوك فيها. فحنين الجذع بدلًا من أن يكون أسطورةً بسندٍ ضعيف مُصنَّفٌ تواترًا - وهي أعلى درجةٍ في علم الحديث تُبلَغ حين يكثر الناقلون المستقلّون حتى يستحيل التواطؤ على الاختلاق. وابن كثير يعدّ أكثر من عشرة صحابةٍ نقلوه (أُبيّ وجابر وأنس وابن عمر وابن عبّاس وسهل بن سعد...) وهو في صحيح البخاري (رقم 918 و3583-3584). تنبيهٌ أمين مع ذلك: صميم الرواية - الجذع يحنّ ثم يسكن بعد أن يهدِّئه النبيّ ﷺ - صحيحٌ ومتواتر. لكنّ بعض الإضافات المتداولة (كحوارٍ يعرض فيه النبيّ ﷺ على الجذع إعادة غرسه في الجنّة) من أسانيد أضعف خارج الصحيحَين. يُروى الثابت ويُشار إلى الهشّ ولا يُخلَط بينهما.
الجذع الحانّ يُذكِّر بأنّ حتى الجماد قد يتألَّم لفراق النبيّ ﷺ ولفراق ذِكر الله. فإن كانت قطعة خشبٍ بكت شوقًا إلى الذِّكر الذي كانت تسمعه فما ينبغي أن يكون شوق القلب الإنسانيّ؟