
من مكّة إلى القدس ثم الصعود إلى السماوات - المعجزة القرآنيّة للنبيّ ﷺ
في ليلةٍ واحدة قبل الهجرة أُسرِي بالنبيّ ﷺ من مكّة (المسجد الحرام) إلى القدس (المسجد الأقصى) - وهو الإسراء - ثم عُرِج به عبر السماوات السبع إلى منتهى عالَم الخلق - وهو المعراج. راكبًا البراق وبرفقة جبريل أمَّ الأنبياءَ صلاةً بالقدس ثم التقى بآدم وموسى وعيسى وإبراهيم في السماوات وبلغ سدرة المنتهى. وهناك فُرِضت الصلوات الخمس. وهذه من أندر معجزات النبيّ ﷺ المذكورة صراحةً في القرآن.
يفتتح الحدثُ آيةٌ (سورة الإسراء 17:1) يُعلِن فيها الله أنه أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليُريَه من آياته. وتلك الليلة أحضر جبريل للنبيّ ﷺ دابّةً هي البراق - بيضاء بين البغل والحمار تضع حافرها منتهى بصرها - فمضى عليها حتى القدس.
وبالمسجد الأقصى حُشِر الأنبياء فأمَّهم النبيّ ﷺ في الصلاة - دليلٌ على مكانته على رأس السلسلة النبويّة. ثم عُرِض عليه ثلاثة آنية: لبنٌ وخمرٌ وماء فاختار اللبن فقال له جبريل: «اخترت الفطرة أنت وأمّتك.»
ثم كان المعراج: سماءً بعد سماءٍ صعد النبيّ ﷺ يلقى في كلٍّ منها نبيًّا: آدم ثم عيسى ويحيى ثم يوسف ثم إدريس ثم هارون ثم موسى ثم إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. وبلغ سدرة المنتهى الحدَّ الذي لا تتجاوزه مخلوقٌ - وهو المشهد الذي تعكسه سورة النجم (53:13-18).
وعند هذا الختام السماويّ فُرِض على الأمّة خمسون صلاةً في اليوم. وبنصيحة موسى المتكرّرة العارف بضعف البشر عاد النبيّ ﷺ يطلب التخفيف فخُفِّف إلى خمسٍ تُكتَب بثواب الخمسين. وفي الصباح وهو بمكّة روى قصّته فاستقبلها المستهزئون بالسخرية؛ لكنه وصف القدس وصفًا دقيقًا وذكر القوافل في طريقها ممّا أسكت المتحدِّين.
ينبغي التمييز الدقيق بين مستويات هذا الحدث. الوقعة الجوهريّة - الرحلة الليليّة - قرآنيّة: سورة الإسراء (17:1) تُثبِت الرحلة إلى الأقصى وسورة النجم (53) تعكس الرؤية قرب سدرة المنتهى. أمّا التفصيل (البراق وأنبياء السماوات والخمسين صلاةً المخفَّفة) فمن الحديث الصحيح: البخاري (أرقام 349 و3887 و7517) ومسلم (رقم 162). توضيحاتٌ أمينة. أوّلًا: تاريخ 27 رجب المشهور لا أصل صحيح له - صرَّح ابن كثير: «لا أصل له» والمصادر القديمة تتباين. ثانيًا: بعض الروايات (كرواية مالك بن صعصعة) لا تذكر محطّة القدس وتمرّ مباشرةً إلى المعراج؛ ويُبيِّن ابن كثير أنّ الرواة أحيانًا يُختصِرون ويَعتبر أنه رحلةٌ واحدة لا رحلتان. يُروى ما تقوله المصادر ويُميَّز الثابت من غيره.
يربط الإسراء والمعراج الحرمَين - مكّة والقدس - ويضع النبيّ ﷺ في مقدّمة الأنبياء جميعًا. وأنفَسُ ثمرةٍ عمليّة لهذه الرحلة للمسلم اليوم: الصلوات الخمس - العبادة الوحيدة التي فُرِضَت لا على الأرض بل في أعلى السماوات - تذكيرٌ يوميٌّ بتلك الليلة التي انفتح فيها السماء.